التحرير الإخبارى

في ساحة العدالة نصفق لأنفسنا

ترددت مرتين على إحدى ساحات العدالة، خلال الأسبوعين الماضيين، والمتمثلة في قاعة المحكمة، لحضور محاكمات أحد الأصدقاء.

ندخل هذه الساحة كأننا ندخل إلى قاعة سينما. هناك من يقف على الباب، الذي يفصل بين عالمي الحرية والسجن، ويأخذ مقابلا نظير الفرجة. هناك لحظة نادرة، تلك الذروة التي سيتصاعد فيها الحدث، وننتظرها جميعنا كمتفرجين، تلك اللحظة الفاصلة التى تقف بين السجن والحرية. هذه اللحظة لها ثمنها، ولها فرادتها التى لا تتكرر كثيرا فى حياتنا الخاصة. هناك دائما جمهور يملأ  تلك الذروات التي تملأ هذه الساحات وتحبس أنفاس مشاهديها.

داخل ساحة العدالة هناك نموذج مصغر لسجن، وهناك أيضا على المنصة، وأمامها، من يقف ليفتح أبواب هذا السجن الرمزي، أو يغلقه إلى حين. العدالة لا تتحقق إلا من خلال الحرية، هي هدفها الأسمى، سواء برفع الظلم، أو بإقراره. فطالما السجن، أو رمزه، جاهز، فالحرية هي الوجه الآخر للعملة داخل هذه الساحة. تقف العدالة لتفرز بين عالمين، عالم الحرية وعالم السجن.

داخل هذه الساحة تستمد الكلمات قوتها وبريقها من قوانين وأديان وأخلاق عامة، ومن بلاغة أيضا، ومن سحر البيان والتبيان. الكلمة هنا لها ميزان من ذهب، لها ما يكافئها فى الحال، على الكفة الأخرى من الميزان: حيث تكمن البراءة أو الإدانة.

حتى ولو كان الكلام عبارة عن صياغات لغوية محفوظة، أو كلاشيهات، ولكنها كلاشيهات لا يزال الدم يجري في عروقها، وتستمد حيويتها من الفعل الناتج عنها. الكل يتكلم: المحامون والمتهمون والقضاة. هناك أوراق يتم تبادلها، وهمسات قريبة من منصة العدالة ومشاورات وأياد ترفع فى الهواء، وأخرى تنبسط، وأخرى تهدد. 

هناك، في هذا المستطيل الذى يفصل المنصة عن صالة المشاهدين، قلب السساحة، حيث تجرى الألعاب اللغوية والمرافعات؛ تتألق الكلاشيهات ويعاد لها احترامها المفقود فى الحياة العادية، بسبب أنها تبحث في أحد الأصول: الحرية، وكونها أماكن حدودية تقف بين عالمين أيضا، مثل المستشفيات، والمقابر. 

داخل ساحة العدالة، لأن الكلمات لها قوتها، وتدافع عن أحد أصول الحياة، لذا تؤدى بأداء تمثيلي، الجميع متفق عليه، ولا يضحك عليه أحد من المتفرجين، بالرغم من غرابته عن أداءات الحياة اليومية، فما زالت هذه المساحة المستطيلة، بين منصة القاضي وأول صف من كراسي القاعة، تحتفظ بخاصية رفع الكلام من عاديَّته ووضعه فى مرتبة التمثيل الأقصى، بخزين من الأخلاق والأفكار السامية، والعاطفية التي لا تنضب وتتجدد مع كل مرافعة، والتسامي بالكلام  للوصول به إلى سقف المثل العليا التى تختفي وراء حياتنا العادية. هنا تتعرى هذه المثل العليا وغايات الحياة لتصبح مرئية داخل الكلام والأداء التمثيلي له. 

في ساحة العدالة يتكلم الجميع باللغة الفصحى لأنها المرجع المتفق عليه للأشياء السامية، والذي لم يُمس بلغات الحياة اليومية المتبدلة والمبتذلة، المرجع الذي يحتفظ بقوة، حتى ولو بدت هذه اللغة كلاشيهات، ولكنها كلاشيهات شديدة الحيوية تؤدي دورا في تحريك المشاعر وفتح أبواب السجن. القاضي والدفاع، الاثنان يخرجان من ذواتهما العادية، ويدخلان محراب العدالة بلسان فصيح، ويذهبان باللغة إلى أقصى تسام لها، حيث يوجد الشعر.

داخل ساحة العدالة تكمن قوة الحياة التى تقف على حافة الخطر. 

داخل ساحة العدالة هناك الدموع والتصفيق والأحضان عندما تنطق كلمة "براءة". كالسينما تماما لا تجد معادلا للكلمة لكي تتجسد سوى الدموع والتصفيق والأحضان. 

داخل ساحة العدالة نقف جميعا كممثلين في نهاية عرض حقيقي وذروة حقيقية في غاية القوة، وكلنا مسجونون أو متهمون في هذا العرض، ولحظة براءتنا، لا تخص فقط من يقف في الحبس، من جئنا من أجله؛ بل هي براءة جماعية لنا جميعا. إننا نتمثل داخل هذا العرض الكبير "المتهم البرىء"، ونعيش داخله، كما نتمثل المأساة ونعيش داخلها بانتظار لحظة التطهر. 

في ساحة العدالة تعود اللغة لماديتها، وتتخلى عن اصطلاحيتها. تعود لتمشي على قدمين، لأنها تعيش داخل عالم مثالي غير منقسم في ظاهره وفي طموحه. فهذه "البراءة ستفتح أبوابا أو ستغلق أخرى".

في ساحة العدالة نصفق لأنفسنا. إننا في العادة نصفق لهدف جميل، للقطة مؤثرة، لانتصار الحياة في أحد تجلياتها، عندما تلتصق المعاني والكلمات والرموز مع أجسادنا أو أجساد غيرنا، وتحررها من السوائل والمشاعر المكبوتة بداخلها. إننا نصفق لشيء يفوق الوصف، وهذا الشيء كامن بالتأكيد في كتلة المعاني والرموز والإيمانات التي تعيش داخلها المعجزة، ليسود الأرض السلام ويعيش الجميع فى محبة. إننا نصفق عندما يتجلى، فى لحظة خاطفة سريعة، ما آمنا به جميعا، نحتضن بعضنا بعضا، لأن الجسد المفرد عاد لكتلته الكبيرة، احتراما لها، وفي الناحية الأخرى يتجلى المعنى المجرد للحياة وهو الحرية. 

ساحة العدالة إحدى اليوتوبيات الحديثة، أحد الأماكن المثالية والأزمنة المثالية، حتى ولو لم تحقق العدالة، ولكن خيال هذا العالم المثالي اليوتوبي، وأدواته، قائم ويسيطر على خيال كل المتفرجين.

داخل ساحة العدالة أيضا يتألق "الباطل" وتراه بأم عينك وترى تهافت كلماته وادعاءاته وتلفيقه وبهتان أدلته ورمي الجتت. يمثل هنا مكان إبليس داخل هذه الساحة، التي ترمز بدورها للحياة في متطلباتها الجوهرية، لذا له دور، وكلماته لها ثقل وقوة، طالما هو جزء من الحياة والعدل والحقيقة ذاتها، جزء من "لعبة لغوية" قامت عليها الحياة والأفكار والثقافات. هذا "الباطل" أيضا له مرجع قديم يستمد منه قوته، عندما كان أحد أوجه الحقيقة.

فى ساحة العدالة الحرية هي الهدف، التحرر من الخوف ونقص الأموال والأنفس والجوع. وراء هذه الحرية المُستعادة، تقف الدموع، هذا المعادل المائي لجريان معنى الحرية في أجسادنا. هذا الجريان الحر والأبدي الذي يكسر أية حواجز ويخرج معبرا عن هذه القيمة التى نحفظها ونصونها ونرعاها بداخلنا.

هذه الكلمة الوحيدة السهلة التى نطقها ضمير القاضي في نهاية الجلسة/ العرض، وهو يغادر كرسيه باتجاه غرفة داخلية ملحقة بالقاعة: براءة؛ فتحت مسارب صغيرة، أسفل العيون، لهذه القيمة التي تجري مجرى الدم فى أجسادنا حتى ولو نسيناها كثيرا أو حاولنا أن ننساها.

شارك هذا الخبر

روابط ذات صلة

لقاء وحيد وأخير

أحمد خير الدين

المربية.. قاتلة الأطفال

محمد المنسي قنديل

للاشتراك في خدمة الرسائل على تليفونك
  فودافون وموبينيل
التعليقات