التحرير الإخبارى

في انتظار جورباتشوف الإيراني

لا شك أن نظام الملالي في إيران حاز على إعجاب الكثيرين، لدرجة أن حزب "توده" الشيوعي الإيراني ساند "ثورة" الخميني، وبعد نجاحها، وجد الناس أعضاء هذا الحزب معلقين على المشانق في الشوارع. ولكن هذا ليس موضوعنا الأساسي في ظل ما يجري في إيران، على الرغم من أن مقالات ودراسات وتحليلات توقعت ما يجري الآن في إيران. وبدأت هذه التوقعات مع توقيع الاتفاق النووي، حيث كانت قد بدأت أولى بشائر اللعبة الأكثر شبها بما جرى مع الاتحاد السوفيتي قبل انهياره بعشرة أو بخمسة عشر عاما. وإذا شئنا الدقة، فإن تقارير ودراسات غربية رصينة توقعت العديد من التحولات في إيران بمجرد وصول الرئيس حسن روحاني إلى السلطة، بل وشبهته بميخائيل جورباتشوف.

لقد جاء الرئيس "الإصلاحي" حسن روحاني في ظل العديد من المخاوف من جانب "شلة" الملالي المتطرفة، وفي ظل مخاوف ومحظورات من جانب الحرس الثوري الذي يحكم إيران عمليا، بصرف النظر عن قوة الجيش من عدمه. وفي الحقيقة، فقد واجه روحاني العديد من التعقيدات والعقبات التي وضعها الحرس الثوري والملالي في طريقه، ولولا حسن حظه، لتمكنوا من القضاء عليه، على الأقل بسبب وجهات نظره الإصلاحية، أو عمله لحساب "أعداء الأمة". وهذا الكلام ليس لتطهير روحاني، وإنما مجرد واقع يجب أن نتذكره دون أي انحيازات لنرى المشهد الإيراني بتجرد ومن دون عواطف.

الغرب يعرف روحاني بشكل جيد. ولذلك توَّج هذه المعرفة بمنحه دور مهم، أو بالأحرى دعمه، بتوقيع الاتفاق النووي. ولكن هذا الاتفاق ليس نهاية العقوبات الغربية أو آخر خطوة في المواجهات بين إيران والغرب. ولكن هذا الاتفاق منح إيران حرية الاختيار بشكل نسبي بعد أن كانت كل الطرق مغلقة أمامها. ولكن روسيا لم تشأ أن تترك لإيران هذا الاختيار، فحاصرتها جيدا لتحكم موسكو قبضتها على طهران. وبدلا من الانفتاح المتوقع لإيران على الغرب، تورَّطت في سوريا واليمن والبحرين، وظهرت نزعات إمبراطورية بأحلام وطموحات توسيع النفوذ في منطقة الشرق الأوسط، وتقديم مبادرات لروسيا بإقامة حلف روسي إيراني سوري. وبدأت طهران تعلن صراحة، وعلى أرض الواقع أيضا، عن طموحات ليست ضد مصالح الغرب فقط، بل ضد مصالح روسيا نفسها على المديين المتوسط والبعيد. 

ما جرى مع إيران خلال السنوات العشر الأخيرة، وربما منذ مطلع الألفية الثالثة يكاد يتشابه مع بعض الفصول التي سبقت تفتيت الاتحاد السوفيتي؛ فقبل ١٠ سنوات تقريبا من انهياره، تم توريطه في المستنقع الأفغاني. وخلال هذه السنوات العشر كانت حكومة دونالد ريجان تعقد اتفاقيات مهمة بشأن الأسلحة الاستراتيجية وتقليص الترسانات النووية مع الكرملين الذي وصل إليه ميخائيل جورباتشوف بعد وفاة سكرتيرين للحزب الشيوعي السوفيتي خلال عام ونصف العام أو العامين. 
ومع بدء جورباتشوف بسياستي "بيريسترويكا" (إعادة البناء) و"جلاسنوست" (العلانية) اتسعت مساحة الانفتاح السياسي والاجتماعي على خلفية الاقتصاد الضعيف والأحوال المعيشية السيئة وقمع الحريات. وعندما أعلن جورباتشوف مبادرته التاريخية التي أدت إلى هدم سور برلين، حصل على جائزة نوبل للسلام، التي اعتبرها البعض "عربونا" لما سيحدث في المستقبل القريب. وفي عام ١٩٩١ تم إعلان تفكيك الاتحاد السوفيتي. ومع ذلك، لا يمكننا تأكيد أن جورباتشوف كان عميلا للغرب، أو أن أمريكا والناتو وأوروبا هم الذين أسقطوا الاتحاد السوفيتي وفتتوه. كل ما في الأمر أنهم كانوا يعرفون طبيعة جورباتشوف وطريقة تفكيره وتركيبته الشخصية وطموحاته من جهة، ونجحوا في استغلال الأوضاع الداخلية المتفاقمة من جهة أخرى. 

لقد تمكن الغرب على مدى عقود من ضرب أولويات الاتحاد السوفيتي بدفعة إلى المزيد من سباق التسلح على حساب اقتصاده، وعلى حساب موارده المالية، وعلى حساب أولوياته الاجتماعية. فزادت حدة المشاكل الاقتصادية والمعيشية كتناقض مع أحد أولويات برامجه الاشتراكية. وكانت النقطة القاتلة أيضا، هي المشكلة القومية التي ظل الغرب يراهن عليها لسنوات طويلة ويغذيها من الخارج لإشعال تناقضاتها الموجودة في الداخل أصلا. هذا إضافة إلى توريط الاتحاد السوفيتي في حروب خارجية، وتوزيع المساعدات والدعم للدول الأخرى. وبالتالي، لم يخرج العشرون مليون عضو في الحزب الشيوعي السوفيتي للوقوف في وجه تفكيكه. 

إن السيناريو الأمريكي – الأوروأطلسي الحالي مع إيران يكاد يتشابه في العديد من النقاط والمحاور مع سيناريو تفتيت الاتحاد السوفيتي، في ظل البطالة وتعثر الاقتصاد في الداخل الإيراني، وهما عنصران يجري التعتيم عليهما من السلطات الإيرانية نفسها. كما أن التناقضات الاجتماعية والسياسية "المكبوتة" في الداخل الإيراني انتعشت مع توقعات وأحلام انتعاش حركة الاقتصاد التي "يجب" أن تحدث بعد الاتفاق النووي، وفك تجميد الأرصدة، وبوادر الانفتاح الاقتصادي. ومن جهة أخرى، جري دفع إيران لعدة مغامرات، مثل التورط في اليمن، وفي سوريا والعراق، ومع تنظيم حزب الله في لبنان. إضافة إلى الدعوات الصريحة للمشاركة في محاربة الإرهاب، والتي تسببت في تداعيات خطيرة، نظرا لطموحات إيران الإقليمية والدولية. ولا يمكن تجاهل العداء المتبادل بين طهران وتل أبيب والذي يلعب دورا مهما في استنفاد قدرات إيران، حتى وإن كان ذلك "العداء" على مستوى التصريحات. وهو ما يظهر بين الحين والآخر، في تصريحات حادة وساخنة ضد إسرائيل. وبطبيعة الحال، لا يمكننا أيضا تجاهل العلاقات المعقدة بين طهران والرياض. والأخيرة حليف استرتيجي للولايات المتحدة، ومتورطة أيضا بشكل مباشر في اليمن وسوريا، ولديها طموحات ليست بالبسيطة. ولكن الفارق في هذا المقام بين إيران والسعودية، هو أن الأولى داخل "حلف" مليء بالمشاكل والتناقضات، ومحاصر تماما، ويواجه عقوبات متعددة من الغرب. 

لقد فتح الاتفاق النووي مع إيران الأبواب لنسائم وتحولات طالما أغلقت حكومة الملالي في طهران الأبواب أمامها طويلا. وهي نسائم وتحولات مشابهة لنفس النسائم التي حلت مع دخول جورباتشوف قصر الكرملين في "الاتحاد السوفيتي السابق"، قبل انهيار الإمبراطورية من داخلها في المقام الأول. 

إن الغرب الآن بحاجة إلى حسن روحاني تحديدا، مع تقليص نفوذ الملالي والحرس الثوري. وربما تؤدي الاحتجاجات الحالية في إيران إلى هذا الطريق بالذات، لأنه من الصعب أن يأتي أي بديل لروحاني الذي سيدشن مواقعه ويعززها بقوة خلال الفترة المقبلة، أو يتم طرح شخصيات أخرى في ظل المتطلبات الملحة للشعب الإيراني الذي كان يتوقع أن تسير الأمور على ما يرام بعد توقيع الاتفاق النووي، فحدث العكس، ووجد نفسه متورطا في حروب وتدخلات في دول أخرى وإنفاق للموارد لا يتلاءم مع طبيعة المرحلة، ومع أحلامه بالرخاء والحرية والانفتاح. ولكن في الحقيقة، فإن روحاني سيكون مجرد مرحلة انتقالية شبيهة بمرحلة وجود جورباتشوف في السلطة آنذاك. أي ببساطة، هناك دور مهم يجب أن يقوم به روحاني، أو في أسوأ الأحوال، شخص آخر قريب إلى نفس شخصيته وتركيبته ليقوم بالمهة. وبعد ذلك سيتم طرح البديل من الداخل، وسيكون هذا البديل مدعوما من الداخل والخارج، لأن مرحلة ما بعد روحاني ستكون بحاجة إلى شخصية أخرى تماما، وتركيبة سياسية ونفسية وذهنية مختلفة. 

من جهة أخرى، قد تتبرع روسيا بدعم نظام الملالي الحالي، والتقدم لإنقاذه، مثلما ساندت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وأنقذته من الانقلاب، ونسيت تماما كل ما كان ينوي فعله معها. ولكن روسيا نفسها في وضع لا تُحسد عليه، فهي متورطة بقوة في سوريا، ولديها طموحاتها الإمبراطورية التي عادت إليها (كفكرة وكواقع) منذ نهاية 2012 وبداية عام 2013. هذا إضافة إلى حصارها بالعقوبات الأمريكية والأوروبية، وإجبارها على تبديد الموارد عبر منح العديد من الدول قروض ومساعدات مقابل بعض النفوذ الاقتصادي أو العسكري، ومن أجل إعطاء انطباع بأن روسيا تنافس الولايات المتحدة، وأنها قادرة على أن تحل محلها في بعض المناطق. كل ذلك يؤثر بدرجات معينة على الداخل الروسي وعلى اقتصاد البلاد، وعلى منظومة العلاقات الاجتماعية. وهو أمر خطير على المدى المتوسط، لأنه بالفعل يسفر عن نتائج خطيرة بشكل تدريجي وهادئ. 

لا أحد يدري ماذا سيحدث في الأزمة السورية، وفي المبادرات والمقترحات والصيغ التي طرحتها روسيا لتسوية الأزمة السورية؟! لا أحد يعرف ماذا ستفعل روسيا في حال استمرت أحداث الاحتجاجات في إيران، خاصة أن الأخيرة شريكة لروسيا وتركيا في أستانا، وفي مؤتمر ما يسمى بـ "الحوار الوطني" كانت روسيا وإيران وتركيا قد اتفقت على عقده في نهاية يناير الحالي؟! ولا أحد يعرف ما هي خطوات تركيا المقبلة في ظل تفاقم الأوضاع في إيران، وفي ظل قص أحد أجنحة روسيا في المنطقة؟!

الأحداث الإيرانية، حتى وإن تم قمعها والقضاء عليها، فهي بداية لأحداث أخرى، لأن طهران لن تعود من سوريا، ولن تراجع عن إجراءاتها في اليمن أو البحرين، ولن توقع اتفاقية سلام مع السعودية. أي ستظل الأمور كما هي عليه، ولن تنتفي أسباب الأحداث الحالية هناك. وهي بالفعل أسباب داخلية تماما، بعيدا عن الهوس والهلوسة المتعلقين بأمريكا وإسرائيل والصهيونية العالمية والماسونية الدولية. إنها أسباب داخلية تتعلق بأوضاع الإيرانيين الاقتصادية والمعيشية، وبحياتهم الخاصة وأحلامهم وطموحاتهم. وهي الأشياء التي لم تمنحها أو توفرها سلطة الملالي والحرس الثوري، وإنما فعلت العكس.

شارك هذا الخبر

روابط ذات صلة

عالم محسن زايد

علاء خالد

للاشتراك في خدمة الرسائل على تليفونك
  فودافون وموبينيل
التعليقات