التحرير الإخبارى

من حسابات الاقتصاد لدهاليز السياسة.. تسونامي «كتالونيا» يضرب أوروبا

مظاهرات كتالونيا مظاهرات كتالونيا

يعتبر السؤال الأكثر جدلاً في كتالونيا بعد التصعيد الأخير من حكومة مدريد وطلب إلغاء الحكم الذاتي، ورد كتالونيا بإعلان الانفصال من جانب واحد، هو علاقة الإقليم بالقارة العجوز، وتأثير ما يحدث فيه على باقي الإقليم، خاصة وسط مخاوف من انتقال "فيروس" الاستقلال والانفصال لأقاليم أخرى بالقارة.

تبدأ تأثيرات أحداث كتالونيا من "لعبة الاقتصاد"، فغير خفي على المتابعين أن غنى إقليم كتالونيا وقوته الاقتصادية هما ما يشجعانه على المطالبة بالانفصال، ولكن هل بوادر الانفصال ستؤيدها رؤوس الأموال تلك أم ستنفر منها، خاصة بعد قرار المحكمة العليا الإسبانية اليوم بأن استفتاء كتالونيا "غير دستوري".

مساهمة كتالونيا في الاقتصاد الأوروبي

وذكر موقع "سي إن بي سي"، أن اقتصاد إقليم كتالونيا يبلغ 215.6 مليار يورو، ويعتبر أكبر من اقتصاد الكثير من بلاد اليورو، و أكثر من 20 % من الناتج المحلي الإجمالي لإسبانيا، وهو رقم كبير جدا، بالمقارنة مع ناتج أسكتلندا الذي يمثل 8 % من الناتج المحلي البريطاني، ويصل حجم صادرات كتالونيا إلى 65.2 مليار يورو.

وتصدر موانئ كتالونيا وحدها 25 % من صادرات إسبانيا، في حين تمثل الاستثمارات الأجنبية للإقليم، التي تصل لنحو 37 مليار يورو، أكثر من ربع الاستثمار الداخل إلى إسبانيا. وتعاني كتالونيا من معدلات بطالة أقل وتقلص في الدخل بشكل عام عن بقية إسبانيا. إذ يصل معدل البطالة بها إلى 13.2٪، في مقابل 17.2٪ لإسبانيا ككل، فيما يعمل 50 % من سكان المدينة بالمجال الصناعي والتجاري.

 تمثل الصناعات الغذائية أول قطاع صناعي في كتالونيا من ناحية توفير فرص العمل ورقم المعاملات، خصوصا بفضل صناعة اللحوم، فكتالونيا من أكبر مصدري لحم الخنزير.

وتمثل كتالونيا نصف الإنتاج الكيميائي لإسبانيا، ونشاطها يفوق بعض الدول الأوروبية مثل النمسا، حسب الفيدرالية الإقليمية للقطاع، كما أن كتالونيا كانت في 2016 ثاني أكبر منتج للسيارات مع 19 %من الإنتاج الوطني (21 %في كاستي وليون)، وتملك شركتا "نيسان" و"فولكس فاجن" (عبر الماركة سيات) مصانع إنتاج فيها، وإسبانيا هي ثاني صانع سيارات في الاتحاد الأوروبي بعد ألمانيا. 

خروج شركات من الإقليم وتأثيره الأوروبي

"القرار الذي اتخذته بعض الشركات بتغيير مقرها ليس له تأثير حقيقي على اقتصادنا"، بتلك الكلمات لكارليس بوجيمنت رئيس إقليم كتالونيا، يبدو تخفيف هول الصدمة التي ألقيت على الإقليم على أثر خروج بعض الشركات، حيث انسحب عدد من الشركات المتوسطة والكبيرة من الإقليم، وتشكل ما يعادل 40% من الناتج الكتالوني الإجمالي، والأسوأ من ذلك أن تلك الخطوة على الأقل في المدى المتوسط لا رجعة فيها، أسوة بما حدث في إقليم كيبيك الكندي بعد خروج رجال الأعمال منه بعد التوترات الانفصالية الخاصة به، وهو ما يواجهه كتالونيا حاليًا في قطاعيه المالي والصناعي، حسب صحيفة "البايس" الإسبانية.

وأكدت الصحيفة أن بعض الشركات رحلت من الإقليم في الأيام القليلة الماضية لأجل غير مسمى، بسبب الوضع الحالي من انعدام الأمن القانوني وعدم اليقين السياسي؛ ولكن العديد منها في المحادثات الخاصة وعد بتغيير الأمور في السنوات المقبلة، بحيث تعود للإقليم مرة أخرى. وبينت الصحيفة أن أحد أهم أسباب الانتقال هي الرحلة الجوية التجارية، والتي أصبحت معقدة في كتالونيا، لأن تلك الشركات تحتاج إلى الثقة الدولية والسعر الجيد، خاصة بعض الشركات التي تستهدف القطاع الخارجي، وتصدر معظم إنتاجها لما تبقى من إسبانيا والاتحاد الأوروبي، مشيرة إلى أنه من المرجح أن تعود بعض من هذه الشركات في المستقبل، خاصة تلك التي يتركز معظم نشاطها في كتالونيا، ولكنها الشركات الأقل أهمية داخل الإقليم. 

وأضافت الصحيفة أنه ومنذ سنوات، تحلم برشلونة بأن تصبح مركزا ماليا هاما، ولكن بعد بضعة أيام فقط من إعلان استقلال كتالونيا فقدت اثنين من البنوك الكبرى وهما: بنكا كايكسا وسابادى اللذان انتقلا إلى فالنسيا، وبلغت قيمتهما في سوق الأوراق المالية أكثر من 33000 مليون يورو، وترجع أسباب اتخاذهما القرار إلى عاملين، الأول هو هروب الودائع والمخاوف من معاقبة الأسواق الأخرى خارج الإقليم؛ والآخر هو الخوف من أن يتسبب استقلال كتالونيا فى خروجهما من مظلة البنك المركزي الأوروبي، بالرغم من إعلان البنك المركزي الأوروبي أنه في حالة وجود خطر من عدم الاستقرار، سيسمح لهما بالخروج من كتالونيا.

وتوقعت الصحيفة أن يحدث شيء مماثل مع الشركات المتعددة الجنسيات والأقل عاطفية للارتباط بإقليم محدد، ولذلك هي أقل احتمالاً للعودة من الشركات الكتالونية، موضحة أنه حدث ضغط من الحكومة المركزية على الشركات الكبيرة لتغيير عنوانها كأسلوب لإفشال عملية استقلال كتالونيا. وقارنت الصحيفة ما يحدث في كتالونيا بأحوال مقاطعة كيبيك الكندية بين السنوات 1980 و1995، حين جرى فيها استفتاءان للاستقلال، حيث رحلت المصارف الثمانية التي كانت في كيبيك، وظل واحد فقط في مقره في هذه المقاطعة الناطقة بالفرنسية. ومعه نحو 700 شركة؛ ولم تعد أبدا بعد ذلك، وكانت ثورة تورونتو ضد مونتريال، خسرتها شركات الطائرات الواردة إليها. 

ورسمت الصحيفة خريطة تلك الشركات الفارة من الإقليم وعددها 44 مؤسسة تجارية وصناعية، احتفظت مدريد بنصيب الأسد منها بـ31 شركة، بينما ارتحل إلى فالينسيا أربع شركات، وكان من نصيب كل من أقاليم مالاجا وأليكانتيه وساراجوزا شركتان بكل إقليم، كما جذبت أقاليم كرونيا وجزر البليار والباسك شركة لكل منها.

ويعتبر بنك كايكسا أكبر المؤسسات المالية المنسحبة، ويعمل فيه 32 ألف موظف، ورأس ماله 7 مليارات يورو، بينما يبلغ صافي أرباحه مليار يورو، ويسهم بما يعادل ربع الحركة المالية بالإقليم، وتليه شركة فينوسا للغاز الطبيعي والتي يبلغ رأس مالها 23 مليارا وصافي أرباحها مليارا و347 مليون يورو، وتسهم بـ17% من حركة السوق الكتالونية. وتليها شركة أبيرتس التي يعمل فيها 15 ألف موظف، ورأس مالها 4 مليارات، وصافي أرباحها 796 مليونا، وتسهم بـ9% من حركة السوق الكتالونية، ويليها بنك ساباديل ويعمل فيه 26 ألف موظف، ورأس ماله 5 مليارات يورو، وصافي الأرباح 710 ملايين يورو، ويسهم بـ4% من حركة السوق الكتالونية.

وتحل في المرتبة الثالثة شركة كالينيكس ويعمل بها 1300 موظف، ورأس مالها 707 ملايين يورو، وصافي أرباحها 40 مليون يورو، وتسهم بـ4% من حركة السوق، وشركة كولونيال ويعمل بها 142 موظفا ورأس مالها 835 مليون يورو وصافي أرباحها 274 مليون يورو، وتسهم بـ3% من حركة السوق، وأشار الموقع إلى رحيل عدد من الأسواق المالية المستمرة ومنها كتالانيا الغربية، ويعمل بها 6600 عامل، ورأس مالها 4 مليارات يورو وصافي أرباحها 325 مليون وتسهم بـ4% من حركة السوق، وشركة أبلوس ويعمل بها 18 ألف عامل، ورأس مالها مليار ونصف مليار يورو، وصافي أرباحها 28 مليونا، وتسهم بـ1.55% من حركة السوق.

ورحلت أيضًا شركة سرفس بوينت ويعمل بها 192 عاملا، ورأس مالها 87 مليونا وصافي أرباحها 26 مليونا، وتسهم بـ0.50% من حركة السوق، وشركة دريمز أودجيو ويعمل بها 1700 عامل ورأس مالها 197 مليون يورو وصافي أرباحها 10 ملايين، وشركة ناتورهاوس ويعمل بها 179 عاملا ورأس مالها 98 مليون يورو، وصافي أرباحها 23 مليونا، وشركة دوجي يعمل بها 163 عاملا ورأس مالها 41 مليون يورو وصافي أرباحها أقل من مليون يورو.

وعددت الصحيفة المجالات التي انسحبت منها الشركات العاملة في كتالونيا، حيث انسحبت 8 بنوك ، و3 شركات تأمين، و4 شركات صحية، و4 توكيلات تجارية، وشركة استشارات قانونية، وشركة نسيج، وشركة مراسلات، وشركتا وقود. 

انتكاسات في الأسعار بسبب حلم الاستقلال

وأوضحت صحيفة "إلموندوا" عن التقلبات التي حدثت في منطقة اليورو، خاصة فيما يتعلق بأسعار الشقق السياحية في إسبانيا، والتقلبات في سعر الكهرباء، وأسماك التونة المبردة، مشيرة إلى أن الميزانية العامة لإسبانيا تأثرت نتيجة للأزمة في كتالونيا، وعدم قدرة الحكومة على الحصول على الدعم السياسي اللازم، مما تسبب في أن السلطة التنفيذية جمدت المعاشات التقاعدية ومرتبات الموظفين.

وأكدت "إلموندوا" أن تقرير وزارات الاقتصاد والمالية في ميزانية الخطة المرسلة إلى الاتحاد الأوروبي يوم الاثنين، أنه نظرا لغياب بعض مصادر الدخل انخفض الحد الأدنى للمعاشات 0.25 %، وهذا هو الرقم الذي يمثل عاملا على إعادة التقييم على عجز النظام كالحالة الراهنة، وتجاوزت النفقات الإيرادات، وهو الذي يستمر تطبيقه في السنوات المقبلة في غياب تدابير ملموسة.

وأوضحت "إلموندوا" أن النقابات طالبت بتحسين استرداد الخسائر الضخمة في القوة الشرائية، التي بلغت أكثر من 10 % منذ بداية الأزمة. 

الإقليم والاندماج في الاتحاد الأوروبي

أعدت نفس الصحيفة في تقرير لها عن علاقة كتالونيا بأوروبا، أن أوروبا تشكل الهواء، والاقتصاد والثقافة والأخلاق للإقليم، بل إن أصول الكتالونيين ترجع للدولة الكارولينجسية، التي أسسها "شارلمان" في فرنسا، ولذلك هدد كل من أنجيلا ميركل، المستشارة الألمانية وديفيد كاميرون، رئيس الوزراء البريطاني السابق، ومانويل فالس، الرئيس الفرنسي السابق، كتالونيا بإخراجها من الاتحاد الأوروبي إذا انفصلت، وبهذا تكون ثالث دولة فيما يتعلق بالاتحاد الأوروبي توقف تطبيق معاهدات الاتحاد بها.

وأكدت الصحيفة وجود مواد تمنع كتالونيا من الانضمام للاتحاد الأوروبي، ومنها (المادة 4-2) بالدستور الأوروبي، التي تنص على "لا يمكن أن تعترف الدول الأعضاء بأي كيان في الاتحاد الأوروبي لا يمكن أن يكون عضوا في منطقة اليورو"، والتي تتطلب إجماع 28 دولة وهو مستحيل سياسيًا، والمادة 4، المتعلقة بواجب "ضمان ووحدة أراضي الشركاء".

مصير نادي برشلونة

أثار مصير نادي برشلونة سؤالا هاما بعد انفصال الإقليم، حيث أكد نائب رئيس نادي برشلونة، كارليس فيلاروبي، في تصريحات سابقة أن فريقه سيلعب في نفس الدوري الذي يلعب فيه القطب الآخر في المدينة، إسبانيول، والشهير بالابن العاق لإقليم كتالونيا بسبب ولائه لحكومة العاصمة مدريد، وهو الدوري الإسباني.

ونشرت المواقع الأوروبية، وعلى رأسها موقع "Goal" الشهير، تصريحات لوزير كتالوني، أشار فيها إلى إمكانية التحاق برشلونة بالدوري الإنجليزي الممتاز في حال طرده من الدوري الإسباني.

شارك هذا الخبر


للاشتراك في خدمة الرسائل على تليفونك
  فودافون وموبينيل
التعليقات